ابن كثير
91
البداية والنهاية
ويستخدم الرجال ، فإن ظهر فاسترجاع ما أنفق سهل ، وإلا لم يكن لصاحبكم شئ في الخزائن وكان ما خزن لغيره . فرجعوا إلى الخليفة فأخبروه بذلك ، وأشار الناس على الخليفة بمناجزته ، فاستدعى عيسى بن موسى فندبه إلى ذلك ، ثم قال : إني سأكتب إليه كتابا أنذره به قبل قتاله فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ! من عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين ، إلى محمد بن عبد الله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) الآية إلى قوله : ( فاعلموا أن الله غفور رحيم ) [ المائدة : 33 - 34 ] ثم قال : فلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله ، إن أنت رجعت إلى الطاعة لأومننك ومن اتبعك ، ولأعطينك ألف ألف درهم ، ولأدعنك تقيم في أحب البلاد إليك ، ولأقضين لك جميع حوائجك ، في كلام طويل . فكتب إليه محمد جواب كتابه : من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله بن حسن : ( بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين ، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين ، وتريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) [ القصص : 1 - 5 ] ثم قال : وإني أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي ، فأنا أحق بهذا الامر منكم ، وأنتم إنما وصلتم إليه بنا ، فإن عليا كان الوصي وكان الامام ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ؟ ونحن أشرف أهل الأرض نسبا ، فرسول الله خير الناس وهو جدنا ، وجدتنا خديجة وهي أفضل زوجاته ، وفاطمة ابنته أمنا وهي أكرم بناته ، وإن هاشما ولد عليا مرتين ، وإن حسنا ولده عبد المطلب مرتين ، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد أبي مرتين ، وإني أوسط بني هاشم نسبا ( 1 ) ، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة ، وأخفهم عذابا في النار . فأنا أولى بالامر منك ، وأولى بالعهد وأوفى به منك ، فإنك تعطي العهد ثم تنكث ولا تفي ، كما فعلت بابن هبيرة فإنك أعطيته العهد ثم غدرت به ، ولا أشد عذابا من إمام غادر ، وكذلك فعلت بعمك عبد الله بن علي ، وأبي مسلم الخراساني . ولو أعلم أنك تصدق لأجبتك لما دعوتني إليه ، ولكن الوفاء بالعهد من مثلك لمثلي بعيد والسلام . فكتب إليه أبو جعفر جواب ذلك في كتاب طويل حاصله : أما بعد فقد قرأت كتابك فإذا جل فخرك وإدلالك قرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء ، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء ، ولا كالعصبية والأولياء ، وقد أنزل الله ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء : 214 ] وكان له حينئذ أربعة أعمام ، فاستجاب له اثنان أحدهما جدنا ، وكفر اثنان أحدهما أبوك - يعني جده أبا طالب - فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينهما إلا ولا ذمة ، وقد أنزل الله في عدم إسلام أبي طالب ( إنك لا
--> ( 1 ) زيد في الطبري وابن الأثير : وأصرحهم أبا ، لم تعرق في العجم ، ولم تنازع في أمهات الأولاد . . .